عبد الله بن أحمد النسفي

342

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 101 ] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) 101 - رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ملك مصر وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تفسير كتب اللّه ، أو تعبير الرؤيا ، ومن فيهما للتبعيض إذ لم يؤت إلّا بعض ملك الدنيا وبعض التأويل فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ انتصابه على النداء أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي الذي تتولاني بالنعمة في الدارين وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي تَوَفَّنِي مُسْلِماً طلب الوفاة على حال الإسلام ، كقول يعقوب لولده ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون . وعن الضحّاك مخلصا ، وعن التستري « 1 » مسلّما إليك أمري ، وفي عصمة الأنبياء إنما دعا به يوسف ليقتدي به قومه ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة ، لأنّ ظواهر الأنبياء لنظر الأمم إليهم وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي ، أو على العموم . روي أنّ يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه ، فأدخله خزائن الذهب والفضة ، وخزائن الثياب ، وخزائن السلاح ، حتى أدخله خزانة القراطيس ، قال : يا بني ما أعقّك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل ، فقال : أمرني جبريل ، قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أبسط إليه مني فاسأله ، فقال جبريل : اللّه أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب فهلّا خفتني . وروي أنّ يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات ، وأوصى أن يدفنه بالشأم إلى جنب أبيه إسحاق ، فمضى بنفسه ودفنه ثمة ، ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة ، فلما تم أمره طلبت نفسه الملك الدائم ، فتمنى الموت ، وقيل ما تمناه نبيّ قبله ولا بعده ، فتوفاه اللّه طيبا طاهرا ، فتخاصم أهل مصر وتشاحّوا في دفنه كلّ يحبّ أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يعملوا له صندوقا من مرمر وجعلوه فيه ، ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ، ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلّهم فيه شرعا ، حتى نقل موسى عليه السّلام بعد أربعمائة سنة تابوته إلى بيت المقدس ، وولد له أفراثيم وميشا ، وولد لأفرائيم نون ، ولنون يوشع فتى موسى ، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر ، ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه .

--> ( 1 ) التستري : هو سهل بن عبد اللّه بن يونس التستري ، أبو محمد ، أحد أئمة الصوفية وعلمائهم ولد عام 200 ه وتوفي عام 283 ه ( الأعلام 3 / 143 ) .